عبد السلام مقبل المجيدي
179
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
للتمكن من تحليل هذا الموقف التعليمي المتميز ، والخروج بنتائج حقيقية تترتب عليه . ومن ذلك : أ - أن المدارسة تستلزم الفقه الدقيق ، ولا بد من أن يجمع ذاك إلى حسن المعنى وتركيزه ، صحة اللفظ وعذوبته وقوته ، كما جاء عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة ابن جابر : ( ألا أخبركم عن من صحبت ؟ ! صحبت عمر بن الخطاب ، فما رأيت أحدا أفقه في كتاب اللّه ، ولا أحسن مدارسة منه . . . ) « 1 » . فليس المعنى فقط هو المعتبر في المدارسة ، وظاهر أنه لا يستطاع الوصول إليه إلا عبر اللفظ ، فإن كان هذا اللفظ هو كلام اللّه عزّ وجل كان من البدهي أن لكل حرف فيه دلالته التي لا يقوم غيره فيها مقامه . . . ب - والمدارسة الرمضانية هي الأساس الشرعي المنهجي للعرضة الثانية ، والثالثة للقرآن الكريم من الطالب على شيخه . . . كما هو معمول به عند المسلمين ، تدقيقا للفظ وتأكيدا للحفظ ، وتثبتا من الأداء . 2 - التأكيد على الحفظ في حق الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما ليس بعده : والمراد بذلك مقتضياته التعليمية في حق الأمة ، ذلك أن اللّه قد تكفل بإقراء النبي صلى اللّه عليه وسلم على هيئة قراءة جبريل عليه السلام لفظا وأداء أولا ، ثم تكفل بعدم نسيه من صدره ثانيا ، ثم بحفظ كتابه ثالثا . . . وعلى الرغم من ذلك فقد كانت المعارضة السنوية للقرآن الكريم تأخذ مجراها الدوري ، مع جملة تأكيدات فيها على غايتها وفحواها « 2 » ، كتكرار
--> ( 1 ) ( المزي ) أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن الزكي عبد الرحمن ت 742 ه : تهذيب الكمال 23 / 472 ، مراجعة : بشار عواد معروف ، 1400 ه - 1980 م ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير 7 / 175 ، ومما يلزم إضافته في سياق تقرير المعنى المشار إليه : أن قبيصة قد تأثر بصحبة هؤلاء الأساتذة ، فكان كما قال عبد الملك ابن عمير إذا ذكر الفصحاء : " فصحاء الناس ثلاثة : الحسن البصري ، وموسى بن طلحة القرشي ، وقبيصة بن جابر الأسدي . . . " تهذيب الكمال 23 / 472 ، مرجع سابق . ( 2 ) ولذا قال ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - : " وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر ، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم ، وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ ، وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره ، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم ، لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية " .